مبروك الاستقالة!

مبروك الاستقالة!

قبل سنوات قليلة كتب أحد الشباب في حسابه على السناب شات (عقبال استقالتي!) على صورة كيكة وداع لأحد زملائه في العمل! واتصلت به والدته مباشرة وهي زعلانة "ليه وليدي تتفاول على نفسك بالتقاعد!"



حاول يفهّم والدته إن الاستقالة من الوظيفة يقابلها التحاق في جهة عمل جديدة وهي شيء مختلف عن التقاعد وكثير من الأحيان الاستقالة هي بشارة خير، لكن محاولاته باءت بالفشل. ومع الوقت اعتادت الأم والمجتمع على سماع إن فلان استقال وعمل بجهة أخرى حتى صارت الناس تحتفل وتبارك بالاستقالة!




منذ إعلان رؤية السعودية 2030 الواعدة في عام 2016، وسوق العمل شهد طفرة في التوظيف حتى إن الشركات والجهات الحكومية صارت تتنافس بشراسة لاستقطاب أفضل الكفاءات لتتمكن من تحقيق أهدافها بوجود موظفين ذوي خبرات ومهارات عالية حتى وصلوا لمزايا وأرقام فلكية! لدرجة ان بعض الجهات صارت تعطي لبعض التخصصات النادرة للخريجين جدد من أفضل الجامعات رواتب أعلى من 20 ألف ريال بدون شرط خبرة !




إذا كنت من متابعين كرة القدم قديما وعاصرت اللاعبين المخضرمين ماجد عبدالله ويوسف الثنيان فمن المتوقع ان مفهوم الاحتراف لم يعجبك! واللي تسبب بعدم الاستقرار للأندية واللاعبين, واللاعب ماصار يعتزل في نفس النادي الذي بدأ فيه، وصارت الأندية عشان تقدر تحصل على القاب تضطر لتتنافس لاستقطاب أفضل اللاعبين حتى وصلت مبالغ عقودهم لأرقام فلكية.




وفي المقابل إذا كنت من الموظفين القدامى فمتوقع كذلك ان تنزعج من كثرة استقالات الموظفين في الوقت الحالي. والسبب بكل بساطة إن مفاهيم العمل اختلفت لدى الجيل الحالي ويجب عليك كموظف ان تطوّر نفسك وتواكب هذا التغير حتى لايفوتك القطار. فقوة المنافسة في سوق العمل زادت بسبب الوعي لدى الموظفين بأهمية العمل الاحترافي وبسببها صار الموظف هو من يبحث عن فرص لتطوير نفسه أكثر من الجهة التي يعمل فيها. حتى إن كثير من الموظفين يكرس كثير من وقته للتطوير فصار يدفع من حسابه الخاص مقابل الحصول على شهادات مهنية ودورات تطويرية ليرفع من قيمته السوقية في سوق العمل.




أتفهم إن كثرة انتقالات الموظفين بين الجهات له اثر سلبي هو أمر مزعج وربما غير صحي، لكن بغض النظر عن تقبلنا للفكرة، فهي شي واقعي ويجب علينا أن نتعامل معها بمفهوم مختلف عن مفاهيمنا السابقة. في الماضي كانت أكثر أسباب الاستقالات تعود لأسباب وعوامل داخلية للجهة مثل سوء المدير أو بيئة العمل وغيرها من الأسباب. لكن حاليا صارت الأسباب الخارجية للاستقالات أكثر وأقوى من الأسباب الداخلية. فصار من الصعب جدا احتواء هذا التحدي لكثير من جهات العمل إذا لم يكن لديها القدرة على المنافسة في الاستقطاب بمفهومه الجديد أو سوف تضطر ان تكون منصة لتجهيز الموظفين لسوق العمل عبر توظيف حديثي التخرج المستعدين للقبول بأي فرصة عمل حتى يحصلوا على الخبرة العملية اللازمة وبعدها يكونوا جاهزين للاستقطاب من قبل جهات أخرى بعروض أفضل!